وداعاً أبخازيا، وشبه جزيرة القرم، وأوسيتيا الجنوبية


تقديم: جودي ديمبسي 

ترجمة: عادل بشقوي

لقد سلكت أوسيتيا الجنوبية نفس طريق أبخازيا.


جودي ديمبسي  مشاركة أقدم غير مقيمية  كارنيجي / أوروبا  رئيسة تحرير الاستراتيجية / أوروبا

في 18 مارس/آذار، التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، مع ليونيد تيبيلوف (Leonid Tibilov) الزعيم الإنفصالي لأوسيتيا الجنوبية، وهي منطقة متنازع عليها في جنوب القوقاز. وقد قاما هناك، بتوقيع معاهدة بين روسيا وأوسيتيا الجنوبية للتحالف والتكامل.

الإتفاق مشابه لاتفاق آخر وقعته روسيا مع أبخازيا وهو إقليم آخر متنازع عليه، وذلك في نوفمبر/تشرين الثّاني 2014. إن تلك الصفقة قُصِد منها أن في الممارسة العملية، ستكون موسكو مسؤولة عن الجمارك، والدفاع، والأمن في الجمهورية المعلنة من جانب واحد.


أعلنت كل من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية أولاً استقلالها عن جورجيا في تسعينيات القرن الماضي، وأكدتا ذلك الإستقلال بعد وقت قصير من غزو روسيا لجورجيا في عام 2008 واحتلت هاتين المنطقتين. وتموّل روسيا الآن كلتاها.

على الرغم من أن أيٍ من هاتين الجمهوريّتين اللتين أعلنتا استقلالها لم يتم ضمها بالكامل من قبل موسكو، إلا أن من الواضح أن جورجيا، على الأقل في المستقبل المنظور، ليس لديها أدنى إمكانية لاستعادة هذه الأراضي.

ونفس الأمر بالنسبة للحكومة الأوكرانية. بعد عام من ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، فإن أي فرصة لأن تكون كييف قادرة على ممارسة سلطة الدّولة على شبه جزيرة القرم هي بعيدة للغاية.

باختصار، فإن وثيقة هلسنكي الختامية لعام 1975، والتي تحدد المبادئ الأساسية للسيادة وحرمة الحدود، أصبحت في مهب الريح . وذلك مع اقتراب الذكرى السنوية الأربعين للصك، إلا أنّهُ من الصعب رؤية كيف يمكن انقاذه.

أقرّت وثيقة هلسنكي الختامية قواعد الاشتباك بين الغرب والاتحاد السوفياتي آنذاك. وتنقسم الوثيقة إلى ثلاثة أقسام — الأمن، والتعاون الاقتصادي، وحقوق الإنسان — ونتج عن ذلك المؤتمر، وفي وقت لاحق رشحت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE).

وقد وضع الصك عشرة مبادئ تهدف إلى توجيه العلاقات بين الدول المشاركة. ويتم ذكرها هنا:

1.  المساواة في السيادة، واحترام الحقوق المتأصلة فيها

2.  الامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها

3.  حرمة الحدود

4.  وحدة أراضي الدول

5.  التسوية السلمية للمنازعات

6.  عدم التدخل في الشؤون الداخلية

7.  احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، بما في ذلك حرية الفكر والضمير والدين، أو المعتقد

8.  المساواة في الحقوق وتقرير المصير للشعوب

9.  التعاون بين الدول

10.  الوفاء بالالتزامات بحسن نية بموجب القانون الدولي

إذا تم تطبيق النقاط المذكورة أعلاه على أبخازيا، وأوسيتيا الجنوبية، وشبه جزيرة القرم، فإن مشاركة روسيا في كل المناطق الثلاثة يبين كيف كان الغرب غير قادر على دعم هذا القرار الهام الذي جاء في اتفاقيّة الحرب الباردة.

لكن هل كان الغرب حقا في أي وقت مضى على استعداد للدفاع عن وثيقة هلسنكي الختامية؟

قد يجادل البعض في ذلك بشكل دقيق لأن الإتفاقيّة كان قد تم التوقيع عليها خلال الحرب الباردة، وعلى وجه التحديد لأنها كانت وثيقة تهدف إلى تعزيز الانفراج، وقد بيّنت مناطق نفوذ كل من الغرب والكرملين.

لذلك عندما، على سبيل المثال، تحدت الحركة النقابية البولندية تضامن (Solidarity)، الحزب الشيوعي الحاكم في عام 1980، اهتزت الحكومات الأوروبية الغربية بشكل عام، حول مزيد من الآثار الأوسع نطاقا للاضطرابات.

بدلا من دعم شجاعة أنصار حركة التضامن، إلا أنهم عبروا عن استيائهم من عدم الاستقرار المحتمل الّذي يمكن  للحركة أن تضفيه على تسوية الحرب الباردة — وذلك يعني مؤتمر يالطا لعام 1945، الذي أنشأ حدود أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. كان الغرب مستعدا للدفاع عن مجالات نفوذه من خلال حلف شمال الأطلسي (NATO)، لكنه لم يكن بأي حال من الأحوال على استعداد لتوسيع نفوذه.

وبشكل ملحوظ، ظلت وثيقة هلسنكي الختامية سليمة بعد سقوط جدار برلين في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1989 والإنهيار اللاحق للإتحاد السوفيتي بعد ذلك بعامين. ويرجع الكثير من الفضل في ذلك إلى قادة الولايات المتحدة، وألمانيا، والقادة الروس. عرف كل من جورج بوش الأب، وهيلموت كول، وميخائيل غورباتشوف ما كان على المحك إن كانوا قد أخفقوا فى إعادة توحيد ألمانيا.

في الواقع، أظهر التفكك العنيف ليوغوسلافيا خلال أعوام التسعينيات من القرن الماضي كيف أن توحيد ألمانيا، وكذلك إعادة إكتشاف بلدان وسط وشرق أوروبا واكتشاف بلدان أوروبا الشرقية “للسيادة والاستقلال، كان من الممكن أن يذهب على نحوٍ سيئ. في دول البلطيق، كانت جمهوريات البلطيق  قد تغلّبت على الأمر بسرعة.

وبعد مضي ربع قرن من الزمان، فإن هذا الجزء من أوروبا أصبح الآن متجذراً في حلف الناتو والإتحاد الأوروبي.

من وجهة نظر روسيا، فقد عنت نهاية الحرب الباردة أن وثيقة هلسنكي الختامية لم تكن قادرة على أن تديم (أو تضمن) مجالات نفوذ حقبة الحرب الباردة. على أي حال، فإن سقوط الشيوعية وسّع من جود الغرب، سلمياً.

إنّهُ التأثير الغربي المتزايد، خاصة في أوكرانيا وفي بلدان أخرى في أوروبا الشرقية، ما يُمثّل مِثل هذا التّحدي لبوتين.

وكان ضمه لشبه جزيرة القرم يتعلق بإعادة تأكيد موقف روسيا في حديقتها الخلفية. وضغطه العسكري على أوكرانيا كان ولا يزال لاحتواء نفوذ أوروبا، على الرغم من أن التأثير يعتمد على سلطة لينة، وليست قاسية. وباختصار، فإن أوروبا وروسيا في منافسة مع بعضها البعض.

هذا التنافس، الذي يغذيه انهيار الثقة، قوض بشكل أساسي وثيقة هلسنكي الختامية. وذلك يغير جذرياً الهيكل الأمني ​​لحقبة ما بعد الحرب الباردة.

هذه المنافسة وانعدام الثقة أمر خطير للغاية. التّصادم هو على منطقة في أوروبا التي يرى مواطنوها جاذبية الديمقراطية والقيم في الاتحاد الأوروبي. ولكنهم أيضا تحت ضغط هائل من قبل موسكو مما يجعل من الصعب بالنسبة لهم أن يختاروا الاتجاه الخاص بهم.

إن اللجوء إلى مناطق النفوذ هو وصفة لعدم الاستقرار، وذلك ما أكدته الأزمة في أوكرانيا. لكن وثيقة هلسنكي الختامية لعام 1975 أظهرت كيف أن مناطق النفوذ ليست دائمة.